ذكريات ممزقة 1


نظرت إلى دفترها الوردي الموضوع على الطاولة، وأشاحت ببصرها بعيداً، كان مؤنسها اليومي عند المساء مع فنجان الشاي الأحمر الذي تفضله مع النعناع، لتسرد مع عبق الرائحة الزكية ما حدث معها خلال اليوم من مجريات وأمور حتى لو كانت بسيطة مثل حادثة تلميع أحذيتها خلال ساعة ونصف وهي فترة قياسية بالنسبة لها..
هذا المساء كان مختلفاً، اقتربت من الدفتر وفتحت الصفحة الأولى لتقرأ ما خطته بقلمها الأسود الفاخر قبل نحو خمسة أعوام “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.. تذكرت قصيدة الراحل محمود درويش وبدأت تردد ما تحفظه منها في سرها حتى وصلت إلى “سيدة تدخل الأربعين بكامل مشمشها” أعادتها مرة أخرى وانهارت فوق دفترها وهي تبكي..
لم تكن تبكي لاقترابها من حائط الأربعين، فما زالت شابة تفيض حيوية وأنوثة كما يصفها جميع أقرانها، ولم يكن بكائها نوعاً من خوف المستقبل، فدائماً ما كانت متفائلة، وابتسامتها لا تفارق محياها، ذلك الأمر الغريب.. جعلها تمسك بالدفتر وتبدأ بتمزيقه ورقة ورقة..
أمسكت بإحدى الورقات وقرأت: “استيقظت على صوت عصفوري الأصفر الجديد في تمام الساعة العاشرة صباحاً واليوم عطلة، ولدي مشاريعي الخاصة، كانت صفقة موفقة حين استعرت عصفور صديقتي رشا وأخذت قطتي لمدة أسبوع، حمام ساخن وبعدها ساعة من الجلوس أمام المرأة، أريد تعلم كيفية وضع الماكياج على طريقة نجوم هوليوود، ولكن الجلسة كانت تماثل الجلسات السابقة .. فاشلة، فعزمت على اتباع دروس خاصة في وضع الماكياج، ولكن هذا الموضوع يراودني منذ نحو عام كامل، ولا أجد الوقت الكافي لذلك.. صوت أمي نبهني إلى أننا على موعد مع الدكتورة، ولا تريد أمي أن تتأخر فمواعيدها دقيقة.. دخلت العيادة وابتسامتي لا تفارقني، أمي قالت يومها.. لايجب أن تضحكي داخل المستشفى، حتى لا تزعجي الآخرين، قد يعتقدون أنك تهزأين بهم.. وضعت رأسي في الأرض خجلاً.. حان موعدنا دخلت الغرفة.. كانت الممرضة لطيفة جداً في تعاملها معي، ربما لأنني كنت أبتسم لها طوال الوقت، أو ربما تعامل جميع زوار المستشفى بنفس الطريقة، قالت لي الدكتورة، هل هي زيارتك الأولى، فأجابت والدتي فوراً نعم.. الفحص الطبي مهم جداً وعبير أصبحت كبيرة حتى تخضع للكشف الطبي الدوري، للاطمئنان على صحتها.. “
سقطت الورقة من يد عبير وغابت بين زحام دموعها، رمت بالدفتر بعيداً وبدأت تكيل الشتائم على كل ما حولها، نظرت إلى القفص الفارغ، وتذكرت يوم عادت إلى البيت وأطلقت العصفور حزناً على نفسها، كانت تريد له شيئاً من السعادة التي غابت عن حياتها، كانت تشعر أن صوته كان يشوبه مسحة حزن وألم على حبس حريته فأطلقته.. ولكنها احتفظت بالقفص..
صوت بكائها الممزوج بدموعها جعل والدتها تأتي مسرعة إلى الغرفة، ماذا حصل؟.. هل تريدين التكلم في الموضوع للمرة الألف، ألم تخبرك الدكتورة بما يجب فعله.. لم تلتفت عبير إلى والدتها وأجابت بصوتها المتقطع.. لا أريد الدخول في تلك الدوامة مرة أخرى، لماذا..، لماذا اختارني ذلك اللعين من بين أصدقائي..

شاركنا