عادت عبير إلى دفتر ذكرياتها الممزق وهي تنظر إلى الأوراق التي بعثرتها على الطاولة تارة، وإلى نافذتها المغلقة تارة أخرى، صوت أمها التي دخلت غرفتها وهي تحمل كوباً من الشاي، قطع ذلك الصوت: “لابد أن تفتحي النافذة حتى يدخل قليلاً من الهواء المنعش إلى الغرفة، ألا تشعرين أن رائحتها أصبحت عفنة، هيا انهضي واغسلي وجهك، قبل أن يبرد شرابك المفضل”، لم تلتفت إلى كلام والدتها وأمسكت بورقة أخرى، وقرأت في سرها: “اليوم موعدي الأول مع الدكتورة، استيقظت صباحاً ونصفي نائمة، لم أهتم كثيراً بماكياجي، أو تسريحة شعري، لأن كل هذا الجمال الرباني سيضيع مع أولى عمليات علاجي”، تركت الورقة وذهبت لتقف أمام مرآتها، فرآت أمها مازالت واقفة وهي تنظر إليها.. سقطت دمعة والدتها على خدها، وغادرت الغرفة، لم تلتفت عبير إلى بكاء أمها، فهي تعلم أن بكاء والدتها شفقة ليس إلا.. اتجهت إلى خزانتها وبدأت تبعثر ثيابها، كانت تريد تمزيق جميع فساتينها، ولكن قوتها الجسدية لم تساعدها عادت إلى طاولتها لتبحص عن المقص، فتحت أحد الادراج فوجدت ألبوم صورها.. أخرجته وأخذت تقلب ذكرياتها المصورة، وبدأت بتمزيق صورها، صوت جرس البيت أطلق معلناً قدوم أحد الزوار.. لم تلبث ثواني حتى دخلت صديقتها أمل، كانت مفعمة بالنشاط والحيوية، نظرت عبير إلى أمل نظرة خاطفة، وقالت: “أراك تلبسين قبعة اليوم، ما السر”، فأزاحت أمل قبعتها لتقف عبير مشدوهة بمنظر أمل، قالت: “ماذا، ماذا فعلت بنفسك؟، أين شعرك الذهبي؟، ألا تعرفين أن أنوثة المرأة في جمال شعرها، ماذا حصل معك هل احترق شعرك خلال مغامراتك في المطبخ”، فقالت أمل: “لا، ولكن ما نفع الشعر الجميل، إذا كانت أعز صديقاتي في حالة بائسة وخائفة من نظرة المجتمع لها، بعد أن تخضع لجلسات العلاج الكيماوي”، قاطعتها عبير: “ولكن يا أمل انا شخص لدي ظرف صحي”، فردت عليها: “بالفعل، ظرفك الصحي ما جعلني أقوم بما فعلت”..
دخلت الأم وهي تحمل العصير ترحيباً بصديقة ابنتها، ولم تكن تدري ماذا فعلت أمل بنفسها، وقفت متفاجأة حتى سقط ما كانت تحمله من يديها.. ماهذا ماذا حصل يا ابنتي، قالت الأم وهي مصدومة من منظر صديقة ابنتها ذو الرأس العاري..
فقالت أمل: “عبير صديقتي الوحيدة، ولابد أن نقف بجانبها حتى تجتاز هذا الأمر، وسأقوم بمرافقتها أسبوعياً إلى جلسات علاجها، الأمر لن يقف عند وجود الشعر أو عدمه، ولكن لابد أن تخضع للعلاج المبكر، وكل تأخير ليس في صالح عبير”.. اقتربت الأم وضمت أمل وعبير وهي تبكي.. وقالت لابنتها: “صديقتك ليست أفضل حالاً مني.. أحضري المقص”.